أحمد بن يحيى العمري
24
مسالك الأبصار في ممالك الأمصار
منّ الله على هذه الأمة بأربعتهم في زمانهم بالشافعي يفقه بحديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبأحمد بن حنبل ثبت في المحنة ، ولولاه كفر الناس . ويحيى بن معين « 1 » نفى الكذب عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وبأبي عبيد القاسم بن سلام فسّر الغريب من حديث رسول صلى الله عليه وسلم ، ولولا ذلك لا قتحم في الخطأ . وكان أبو عبيد قد جزّأ الليل ثلاثة أجزاء ، فثلثا ينام وثلثا يصلّي وثلثا يطالع الكتب ، وصنّف كتبا كثيرة في القرآن والفقه وغريب الحديث وغريب المصنّف والأمثال ومعاني الشعر ، وغير ذلك نحو بضعة وعشرين كتابا . وقال الفسطاطي : كان أبو عبيد مع عبد الله بن طاهر فوجّه إليه أبو دلف يستهديه أبا عبيد منه شهرين ، فأنفذ أبا عبيد إليه فأقام شهرين ، فلمّا أراد الانصراف وصله أبو دلف ثلاثين ألف درهم ، فلم يقبلها ، وقال : أنا في جنّة ما تحوجني إلى صلة غيره ، ولا أجد ما فيه على نقص ، فلمّا عاد إلى ابن ظاهر وصله بثلاثين ألف دينار بدل ما وصله أبو دلف ، فقال له : أيها الأمير قد قبلتها منك ، ولكن قد أعييتني بمعروفك وبرّك وكفايتك عنها ، وقد رأيت أن أشتري بها سلاحا وخيلا ، وأوجّه إلى الثغر ؛ ليكون الثواب متوفرا على الأمير ففعل . قال البخاري : مات أبو عبيد سنة أربع وعشرين ومئتين ، وقال غيره سنة ثلاث وعشرين بمكة ، وقيل سنة ثلاثين في خلافة المعتصم .
--> ( 1 ) هو أبو زكريا ، يحيى بن معين بن عون الحافظ المشهور ، توفي سنة 233 ه . وفيات الأعيان 6 / 139 .